ذكر داغيم يوهانس حين وقّعت تركيا والسعودية وباكستان اتفاقية دفاع جماعي على غرار حلف شمال الأطلسي «الناتو» في مكة هذا الشهر، برز غياب مصر باعتباره الغياب الأهم. ولم تقف القاهرة على هامش هذا الترتيب، بل كانت الدولة التي رغبت أنقرة أكثر من غيرها في انضمامها إلى الاتفاق، بعدما طُرح اسمها رسميًا للعضوية، فضلًا عن توافقها الهيكلي مع الدول الثلاث في ملفات الوساطة بشأن غزة، ومواجهة جماعة الإخوان المسلمين، والتعاون بشأن القضايا الأفريقية.

 

وأضاف في تحليل نشره موقع هورن ريفيو ويرجح أن يقرأ التعليق السائد في الأوساط السياسية امتناع مصر عن الانضمام باعتباره سياسة موازنة وانتظار محسوبًا تنتهجه القاهرة تقليديًا في سياستها الخارجية. لكن هذه القراءة تقلل بدرجة كبيرة من حقيقة ما حدث؛ فمصر لم تختر البقاء خارج الاتفاق، وإنما لم يعد لديها هامش يسمح لها باختيار الانضمام إليه.


وتقوم المعضلة المصرية على موازنة بين خطرين متناقضين، فيما تجد القاهرة نفسها عالقة بينهما في الوقت نفسه. فإذا انضمت إلى الاتفاق، قد تنجر إلى مواجهة لم تخترها، يشعلها صراع طرف آخر وتحددها خصومات لا تخصها بالضرورة.

 

وإذا رفضت الانضمام، فإنها تخاطر بخسارة دعم حليف لا تستطيع الاستغناء عنه. وتستطيع معظم الدول التي تواجه مثل هذه المفاضلة حسم موقفها في أحد الاتجاهين والتمسك به إلى أن تتغير الظروف، لكن مصر لا تستطيع ذلك، لأنها لا تتعامل مع نسخة واحدة من المشكلة، بل مع مشكلتين متزامنتين على طرفي الإقليم، ولا يمكن تسوية أي منهما من دون تأجيج الأخرى.


مصر شاركت في الحوار ورفضت الالتزام بالدفاع الجماعي


كان مسؤولون أتراك يتصورون في البداية إبرام اتفاق ثلاثي، ثم وسّعوا نطاقه تحديدًا لاستيعاب مصر، التي جعلها ثقلها العسكري وتنسيقها القائم مع تركيا وقطر والسعودية بشأن غزة والأمن الأفريقي ركيزة رابعة طبيعية. ولم تغب المسؤولية المصرية عن البنية التي سبقت الاتفاق؛ إذ شاركت القاهرة على مدى أشهر في المشاورات غير الرسمية بين الدول الأربع، كما ظهر وزير خارجيتها إلى جانب نظرائه الأتراك والباكستاني والسعودي في القاهرة في يونيو.


لكن مصر رسمت فارقًا ضيقًا ودقيقًا: المشاركة في الحوار مع رفض الالتزام الملزم بالدفاع الجماعي. ويُعد ذلك تحركًا تقليديًا لدولة تسعى إلى الحصول على ضمانات حليفها من دون تحمل المخاطر المصاحبة لها. فالحوار يبعث برسالة توافق إلى الرياض وأنقرة، من دون تفعيل بند الالتزام التلقائي الذي قد يجعل القاهرة مسؤولة عن صراع لم تختر خوضه.


ويمر خطر المواجهة عبر إسرائيل. فالعلاقة المصرية الإسرائيلية لا تقوم فقط على التواصل الدبلوماسي، بل ترتبط بمعاهدة، فضلًا عن الحدود المشتركة بين البلدين. كما أن توصيف رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت للمحور الناشئ بين تركيا والسعودية وباكستان باعتباره كتلة سنية معادية لم يكن مجرد تصريح عابر، بل أسهم في تحديد الطريقة التي يمكن أن تُقرأ بها أي خطوة مصرية للانضمام في تل أبيب وواشنطن؛ باعتبارها خطوة تصعيدية لا مجرد تعبير عن تضامن إقليمي.


وعلى مدى أربعة عقود، بنت القاهرة جزءًا كبيرًا من دورها الإقليمي على أساس كونها وسيطًا لا غنى عنه وغير مهدد بين العالم العربي وإسرائيل، وهو ما يظهر بوضوح في دورها في الوساطة بشأن غزة. ومن شأن توقيع اتفاق دفاع جماعي، ينص صراحة على تفعيل الالتزام عند تعرض أي عضو لهجوم، أن يضع القاهرة أمام التزام ملزم يرتبط بحدث لا تملك التحكم فيه، وتداعيات قد لا تستطيع احتواءها.


انقسام الرياض وأبوظبي يضيّق هامش القاهرة


تزداد المعضلة تعقيدًا عند النظر إلى خطر خسارة أحد الداعمين. فقد حافظ الاقتصاد المصري على قدر من الاستقرار منذ عام 2024 بفضل صفقة تطوير رأس الحكمة البالغة 35 مليار دولار مع شركة «إيه دي كيو» التابعة لأبوظبي، وهي أكبر استثمار أجنبي مباشر في تاريخ مصر، إلى جانب ديون خارجية تبلغ نحو 163 مليار دولار.


كما دفعت مصر بطائرات رافال المقاتلة في مايو ردًا على الهجمات الإيرانية التي استهدفت الإمارات، في مستوى من الالتزام العسكري المباشر لم تقدمه لشريك آخر ضمن الترتيب الإقليمي الحالي. ومن ثم، فإن انضمام القاهرة إلى اتفاق مكة قد يعرّضها لخسارة دعم أبوظبي، وهي خسارة لا تملك مصر بسهولة رأس مال يعوضها عنها.


ولا يتوقف الأمر عند ذلك، إذ تقف الإمارات على الجانب الآخر من اصطفاف هادئ لكنه حقيقي مع إسرائيل. وبالتالي، فإن أي تحرك مصري يبعد القاهرة بوضوح عن أبوظبي قد يُفسر في العاصمتين باعتباره خطوة نحو مواجهة هذا المحور، وهو سيناريو حرصت مصر طوال أربعة عقود على تجنبه.


وفي المقابل، فإن رفض الاتفاق علنًا، بالتزامن مع تعميق الدول الموقعة تعاونها، قد يعرّض مصر لخسارة دعم الرياض. وأفادت مصادر قريبة من عملية التوقيع بأن مسؤولين سعوديين ينظرون بالفعل إلى مصر باعتبارها شريكًا غير موثوق، فيما أشارت ثلاثة مصادر سعودية مطلعة على المناقشات إلى أن الرياض عارضت انضمام مصر إلى الاتفاق، مدفوعة باستياء متزايد من حكومة رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي، واعتقاد بأن مصر لم تعد تقدم القيمة الاستراتيجية أو العسكرية التي كانت تقدمها في السابق.


ونقل أحد المستشارين السابقين عن هذا التقييم قوله إن مصر «تأخذ وتأخذ دون مقابل». ويرتبط هذا الموقف بجملة من الخلافات المحددة، بينها محدودية الدور المصري في حرب اليمن، وما تعتبره الرياض خضوع القاهرة لأبوظبي وسط الخلاف السعودي الإماراتي، إلى جانب التفاوت في الدعم العسكري الذي قدمته مصر للإمارات خلال الهجمات الإيرانية، من دون تقديم دعم مماثل للسعودية.


وعادة ما تستطيع دولة تواجه مثل هذا الوضع إدارة المخاطر عبر اختيار الحليف الذي تريد طمأنته، لكن مصر لا تستطيع الاختيار، لأن الرياض وأبوظبي نفسيهما تتحركان في اتجاهين مختلفين. فأي خطوة لطمأنة أحدهما قد تُفهم باعتبارها تخليًا عن الآخر، وفي حالة الإمارات قد تثير احتكاكًا مع العلاقة الإسرائيلية التي تشكل ركيزة من ركائز وضع أبوظبي الإقليمي الحالي.


وهنا يكمن جوهر المشكلة، لا مجرد خلفيتها. فقد تعمق الخلاف بين الرياض وأبوظبي خلال عام 2026، بدءًا من انسحاب الإمارات المفاجئ من منظمة أوبك، وصولًا إلى الخلافات بشأن اليمن والسودان وسوريا، إلى درجة دفعت القاهرة إلى التدخل وسيطًا في حالات طارئة بين الطرفين.


وعادة ما تستطيع دولة تواجه هذا النوع من الضغوط اختيار موقف ثابت والتمسك به إلى أن تتغير الظروف. لكن مصر لا تستطيع تثبيت موقفها لأن البيئة المحيطة بها نفسها تتغير. فكل إشارة تلبي توقعات السعودية بشأن التضامن تستنزف العلاقة مع الإمارات التي توفر رأس المال الداعم لاستقرار العملة المصرية، والعكس صحيح.


وبذلك تتحول سياسة عدم الانحياز من خيار تراه القاهرة نقطة توازن إلى الموقف الوحيد الذي لا يكلفها فورًا أحد داعميها الخليجيين، رغم أن هذا الخيار نفسه يكلفها تدريجيًا قدرًا من المصداقية لدى الطرفين، وهو ما يظهر في تراجع النظرة السعودية إلى القاهرة.


مصر وباكستان أمام حسابات استراتيجية مختلفة


تختلف حالة باكستان، التي وقعت الاتفاق من دون تردد. فلا ترتبط إسلام آباد بمعاهدة مع إسرائيل تخلق خطر مواجهة مباشرة، ولا تواجه وضعًا استثماريًا إماراتيًا ينتج خطر خسارة حليف متنافس، كما تمتلك قوة ردع نووية تمنح الرياض وأنقرة سببًا قويًا للتمسك بانضمامها، بغض النظر عما قد تطلبه باكستان في المقابل.


أما مصر فتواجه الصورة المعاكسة على جميع المستويات: تعرض مباشر لتداعيات العلاقة مع إسرائيل، وانكشاف أمام خليج منقسم على جبهتين، ومن دون ورقة استراتيجية مماثلة تتيح لها فرض قدر من التسامح مع الاحتكاك من جانب أي من الحليفين.


وبالنسبة إلى باكستان، تكاد المفاضلة بين المخاطر والمكاسب لا تكون موجودة. أما بالنسبة إلى مصر، فتتداخل المخاطر على ثلاثة مستويات، وهو ما يفسر وصول البلدين إلى قرارين مختلفين رغم تلقيهما دعوة تبدو متشابهة.


ويشير هذا الوضع إلى نمط ترصده هورن ريفيو منذ صفقة رأس الحكمة التي أعادت تشكيل الوضع المالي للقاهرة، يتمثل في إحلال الدولة المصرية الضمانات الخارجية محل الاستقلالية الاستراتيجية. ففي الوقت الذي تستعرض فيه قوى متوسطة أخرى نفوذًا استراتيجيًا جديدًا عبر اتفاقات متعددة الأطراف، تواجه القاهرة قيودًا ناجمة عن عجزها المالي.


وتعمل التوسعات العسكرية في منطقة الأوكتاغون، والانتشار في الصومال، ودور الوساطة في غزة، بدرجة أقل كتعبير عن إرادة استراتيجية مصرية مستقلة، وبدرجة أكبر كأوراق تُستخدم لضمان استمرار التسامح الخليجي والغربي مع دولة تعجز عن خدمة ديونها بمفردها.


ويعكس امتناع مصر عن الانضمام إلى اتفاق مكة الحالة نفسها دبلوماسيًا. فالدولة التي تمتلك هامشًا ماليًا أو استراتيجيًا تستطيع تحمل قدر من مخاطر المواجهة مقابل الحصول على ضمانات من الحلفاء. أما الدولة التي تفتقر إلى هذا الهامش، فعليها تقليل المخاطر بصورة قاطعة، لأنها لا تمتلك احتياطيًا يسمح لها باحتواء التداعيات إذا فشلت المقامرة.


لذلك، لا يعكس امتناع مصر عن الانضمام حذرًا أو ترددًا مؤقتًا بالمعنى التقليدي، وإنما يعكس حسم المفاضلة بالكامل لصالح تجنب المواجهة، لأن الجانب الآخر من المعادلة لم يعد يوفر اتجاهًا آمنًا يمكن للقاهرة الميل نحوه.


ويقول وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن غياب مصر يرجع فقط إلى «مسائل فنية» لم تُحسم بعد، وإن القاهرة ستنضم إلى الاتفاق في الوقت المناسب. لكن هذه التصريحات، وفق تحليل هورن ريفيو، ينبغي قراءتها باعتبارها محاولة دبلوماسية لحفظ ماء الوجه أكثر من كونها توقعًا دقيقًا للمستقبل.


فالعوامل الهيكلية، لا التأخيرات الإجرائية، هي التي حكمت القرار المصري. ولا توجد مؤشرات على جدول زمني لحل الخلاف السعودي الإماراتي، أو معالجة هشاشة وضع الديون المصرية، أو تقليص اعتماد القاهرة المالي على الإمارات، بما يسمح بتحقق توقع فيدان.


ومن ثم، فإن السؤال الأهم أمام المخططين الإقليميين لا يتمثل في معرفة ما إذا كانت مصر ستوقع الاتفاق في نهاية المطاف، وإنما في معرفة ما الذي تفعله دولة تتعرض للضغط من ثلاث جهات في الوقت نفسه.


وتشير الإجابة إلى استمرار القاهرة في النهج الذي اتبعته بالفعل: أدوار وساطة تمنحها نفوذًا من دون التزامات، وانتشارات عسكرية ذات طابع تفاوضي أكثر من كونها تحالفية، وتصريحات عامة تترك للعواصم الأخرى مساحة لتفسيرها بصورة إيجابية، لأن مخالفتها لا تكلف شيئًا، بينما توضيحها قد يكلف كل شيء.


وتتمثل الدلالة المؤسسية بالنسبة إلى الأطراف التي تتعامل مع القاهرة في ضرورة التوقف عن النظر إلى عدم انحياز مصر باعتباره موقفًا تفاوضيًا يمكن تغييره عبر تقديم شروط أفضل. فالدولة في وضع مصر لا تغير موقفها إلا عندما تتغير موازنة مخاطر المواجهة مقابل خطر خسارة الداعمين، وليس عندما يزيد أحد الشركاء الضغط عليها.


وقد فشلت جهود أنقرة المستمرة منذ عامين للحصول على مشاركة مصرية لأن الإقناع لم يكن العامل الحاسم أصلًا. ومن المرجح أن تفشل أي محاولة مستقبلية لإدخال القاهرة في تحالف رسمي بالمنطق نفسه ما لم تتغير المعادلة الأساسية مباشرة، إما عبر توفير بديل مالي لمصر عن اعتمادها على الإمارات يقلل تكلفة الخلاف مع الخليج، أو عبر تسوية الخلاف السعودي الإماراتي الذي يجعل كل إشارة مصرية مكلفة في أحد الاتجاهين.


وفي غياب أي من هذين المسارين، سيستمر الموقف الإقليمي المصري في الظهور باعتباره غموضًا استراتيجيًا، بينما يعكس في جوهره مأزقًا تضغط فيه الأطراف المختلفة على القاهرة من دون أن يتوافر للدولة مخرج مستقر وآمن من هذه المعادلة.

 

https://hornreview.org/2026/08/15/egypt-and-the-mecca-pact-a-state-without-room-to-align/